الطالب محمد بن أبي بكر الصديق البرتلي
19
فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور
أهدى له رجل بقرة فأتاه بعد ذلك يكتب له حكما في خصومة أو مثلها ، فقال له الشيخ : أنت أحسنت إلي ، ولكن إن كنت تريد بإحسانك إلي شغلي عما هو أنفع لي من هذا ، فخذ بقرتك عني . وكان يحب أشياخه جميعا ويعظمهم ويمدحهم إذا ذكر عنده أحد من أهل الكرامات يقول هو : حسبي بشيخي فلان . وكانت التلاميذ إذا أرادوا أن يشغلوه عن تفسير أحدهم ، سأله أحدهم بصوت خفي فيبلغه التلاميذ بقولهم ، قال فلان أحقا أن شيخك فلانا يعرف بعض الفن الفلاني ، فيقول إنا للّه وإنا إليه راجعون ، ويضع الورقات من يده ، وتارة يعطيهن لأحد ، فيلتفت مسرعا يقول : من هذا ؟ ما أحمقه ! فإن شيخي فلانا يعرف كذا وكذا ، وجعل يمدحه حتى يمكث ساعة من النهار . ومن ورعه كان لا يفسر إلا في الكتاب . وكان ذات يوم يفسر لأحد التلاميذ فسأله عن كلمة فلم يجاوبه ، فسأله أيضا وهو ينظر الكتاب ، ثم أعاد السؤال ، قال الشيخ : دعني لم أرها في كتاب . وكان ذا جاه مهابا مطاعا . كان إذا خرج من المسجد لا يمر بقوم إلا قاموا بوجهه ليضعوا أيديهم على رأسه . وكان لا يصلي في المسجد إلا الظهر والعصر والعشاء لأن المغرب والصبح كثيرا ما تخلف فيهما الناس . وكان يؤذن ، وأذانه هو آخر الأذان . قيل له في ذلك ، قال غرضي من كان عازما على الصلاة في المسجد ، إذا سمع أذاني علم أن الصلاة حانت فينهض مسرعا . وكان كثير الورع والإعراض عن الدنيا ، لأنه كان لا يدخر شيئا لغد ، وتأتيه الهدايا من كل جهة فيستريح منها حين إتيانها ولا يلتفت إليها . وكانت همته الكتب وكان منظرا لها ، حتى حكى أنه كان يوما مع أصحابه يتحدثون إلى أن بلغوا نعيم ، فكلهم قال منيتي كذا وكذا ، فقال هو منيتي كثير من الكتب ، فأكون بينهم تارة انظر وتارة أقرا . وكان ورعا جميل الخلق ، فقد أخذ من خلقه صلّى اللّه عليه وسلم ، دائم البشر متواصل الأحزان ، وكان كثير الصمت مستعملا قوله تعالى لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ الآية . وكان مطاعا إذا أمر بشيء لا